السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

115

مفاتيح الأصول

الوجوب والمعتبر فهم الراوي لأنه المخاطب دون غيره ومنها المنع من أن الغلبة تمنع من الحل على الحقيقة فإن تخصيص العمومات قد شاع حتّى اشتهر ما من عام إلَّا وقد خصّ مع اتفاق الكلّ على الظاهر حتى هؤلاء على وجوب حمله على العموم إذا تجرّد عن القرينة وأيضا قد حكي التّنصيص من جماعة من أهل اللَّغة على أن أكثر اللَّغات مجازات مع اتفاق العلماء على وجوب حمل اللفظ على الحقيقة ومنها أن حمل أكثر الأخبار على المجاز لا يستلزم أكثرية في عرف الأئمة عليهم السلام فإن الحمل فيها قد يكون باعتبار القرينة على كونه مرادا وقد يكون باعتبار قصور الرّواية عن الحجيّة فيحمل عليه لأن التأويل أولى من الطَّرح وهذا لا يستلزم المجازية في الواقع وبالجملة الغلبة غير مسلَّمة وإن ظننا بها فنمنع أن الغلبة الظَّنية تعارض أصالة الحقيقة ومنها أن تتبع الأخبار يكشف عن بقاء أوامرهم على الوجوب مثل قول الصادق عليه السلام لهشام بن الحكم إذا أمرتكم بشيء فافعلوا وقول زرارة لا جناح عليكم ولم يقل افعلوا ومنها اتفاق الأصحاب المتقدمين والمتأخرين على عدم الفرق بين أمر النّبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأخبار المروية عنه وبين أمر الأئمة عليهم السلام في الحمل على الوجوب الثّالث اختلف الأصوليّون فيما يفيده الأمر إذا ورد عقيب الحظر على أقوال الأول أنه كالأمر المبتدأ فإن أفاد الوجوب أفاده المفروض أيضا وإلَّا فلا وهو للشيخ وابن زهرة والمحقق والعلامة والشهيد الثاني والبيضاوي وحكي عن أبي إسحاق الشيرازي والقاضي أبي الطيب وأبي المظفر السمعاني والرّازي بل نسب إلى أكثر المحققين الثاني أنّه يفيد الإباحة وحكاه السّيّد والشيخ والعضدي عن الأكثر الثالث أنّه يفيد النّدب وهو محكي عن بعض وعن إمام الحرمين التّوقف للأولين وجوه منها أن المقتضي موجود وهو الوضع والمعارض له مفقود إذ ليس إلَّا كونه بعد الحظر وهو لا يصلح للمعارضة لجواز الانتقال من الحرمة إلى الوجوب كما يجوز إلى الإباحة والأحكام الخمسة متساوية في التضاد منها أن السيد إذا قال لعبده اخرج من الحبس إلى الكسب أفاد الوجوب مع وروده بعد الحظر ومنها أن أمر الحائض والنفساء بالصّلاة للوجوب مع أنّه ورد بعد الحظر ومنها أن الحظر العقلي آكد من السّمعي وإذا ورد بعد الحظر العقلي أفاد الوجوب فإن العبادة قبل ورود الشرع بها محرّمة فإذا ورد بها أمر كان للوجوب فكذلك الأمر الوارد بعد الحظر الشرعي بالطريق الأولى وقد يناقش في جميع ما ذكر أمّا في الأول فبالمنع من قيام المقتضي وأمّا في الثاني فبأن المفهوم الإباحة إن فرض انتفاء القرائن وإلَّا فلا نزاع وأمّا في الثالث فلأنه قد ثبت بالدليل ودفع الظواهر بالأدلة القاطعة غير عزيز وأمّا في الرّابع فبأن الفرق عرفي والتحقيق أن يقال إن الصّيغة موضوعة للوجوب والأصل حملها عليه حيثما تطلق مجرّدة عن القرينة سواء وردت بعد الحظر أو لا ومجرد الورود بعده لا يقتضي الإباحة ولا الاستعمال فيها أحيانا يقتضيها كلَّية لمعارضته بالاستعمال في الوجوب نعم إن ثبت كثرة الاستعمال في الإباحة أشكل التمسّك بالأصل حينئذ على ما ذهب إليه المشهور من التوقف في تعارض الحقيقة المرجوحة والمجاز الرّاجح بل على ما ذهب إليه أبو يوسف من الحمل على المجاز الغالب يجب الحمل على الإباحة ولذا مال الآمدي إلى الإباحة مدعيا أن احتمالها أرجح لغلبته وأمّا على ما ذهب إليه أبو حنيفة من الحمل على الحقيقة المرجوحة فلا إشكال وقد عوّل على هذا الأصل كثير من المحققين كالشيخ وابن زهرة والمحقق والعلامة والبيضاوي وغيرهم وذلك إما لترجيح الأصل على الظاهر أو لمنع الغلبة وبالجملة إذا تم ظهور قرينة المجاز في المقام بحيث يعتمد عليه عرفا فلا إشكال وإلَّا فلا يرتفع اليد عن الأصل وأمّا منع السّيد عميد الدّين من أصالة الحمل على الوجوب في المقام تمسّكا بأن غاية ما ثبت من الأدلَّة الدّالة على كون الصّيغة موضوعة للوجوب كونها له إذا لم تكن بعد الحظر وأمّا إذا كانت بعده فلا دليل على وضعها له حينئذ فيبقى ظن الغلبة سليما عن المعارض إن لم يكن دليلا على الوضع للإباحة حينئذ ففيه إشكال أمّا أولا فلأن الظاهر من المحققين القائلين بالإباحة أنها مجاز نعم ربما يشعر كلام العضدي بأنها صارت حقيقة شرعية في الإباحة حينئذ ولكنه ليس بصريح بل ولا ظاهر ولو سلَّم الصّراحة ففيه اعتراف بأنها لو لم يكن في الشّرع للإباحة لكان اللَّازم الحمل على الوجوب وأمّا ثانيا فلأنه لو تم ما ذكره لما تحقق مجاز إذ يمكن أن يقال إن لفظ الأسد في قولنا رأيت أسدا في الحمام لم يثبت أنّه حينئذ موضوع للحيوان المفترس بل للرجل الشجاع كما قاله منكر وقوع المجاز في اللغة وهو فاسد جدّا وأمّا ثالثا فلأن وضع اللفظ لمعنى إذا كان كذا ولآخر إذا كان كذا بعيد إما لعدم وقوعه أو لقلة وقوعه وأمّا رابعا فلأنه لو لم يكن للوجوب بعد الحظر لكان لغيره فيلزم الاشتراك إن قيل إنّه لغة له والنّقل إن قيل إنّه عرفا له والمجاز خير منهما مضافا إلى أنّه يلزم أن يكون حينئذ استعماله في الوجوب مجازا واستعمال اللَّفظ الموضوع للإباحة في الوجوب إن لم يمنع وقوعه فقليل ولا كذلك استعمال اللَّفظ الموضوع للوجوب في الإباحة وهل الأمر الوارد بعد توهم الحظر كالوارد بعده أو لا يظهر من بعض الأول وهل الأمر الوارد بعد الكراهة أو توهمها أو بعد الاستئذان كالوارد بعد الحظر أو لا يظهر من بعض الأول وهل